محمد جمال الدين القاسمي
325
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقد وقفت على رسالة لشمس البلغاء الخوارزمي أنفذها لمن شكا إليه داء الجرب . جاء منها قوله : الجرب حكة مادتها يبوسة وحرارة ووقود والتهاب . وعسكر من عساكر البلاء تمده القذارة . كما تزيد فيه اليبوسة والحرارة . وعلة تدل على تضييع واجب النفس من التعهد . وعلى التفريط في العلاج والتفقد . تنطق بأن صاحبها ضعيف المنّة في التوفي . أسير في يد الحرص والتشهّي . غاشّ لنفسه . قليل البقيا على روحه . وهذه العلة تكسب صاحبها خزيا وحياء . وتورثه خجلا واسترخاء ينظر إلى الناس بعين المريب . ويتستر عنهم كتستر المعيب . تنفر عنه الطباع ، وتستقذره النفوس . وتنبو عن مواكلته العيون . وأقل ما يصيبه أنه يحرم آلة المطاعم وهي يداه . وآلة اللقاء والزيارة وهي رجلاه . ولو لم يكن من دقائق آفاتها . ومن عجيب هباتها . إلا أنها تشيخ الفتيان . وتمسخ الإنسان . وتجعله أمّيا بعد أن كان غير أمّي . وأعجميّا وليس بأعجميّ . تنفر عن نفسه نفسه . وتهرب من فراشه عرسه . ويتباعد عنه أقرب الناس منه . ثم هي ربع من أرباع الخذلان وقسم من أقسام الحرمان . قال الشاعر : أعاذك اللّه من أشياء أربعة : * الموت والعشق والإفلاس والجرب وما الظن بداء قد سارت به الأمثال وقيلت فيه ، دون سائر الأدواء ، الأقوال . قال أبو تمام : لما رأت أختها بالأمس قد خربت * كان الخراب لها أعدى من الجرب وقال لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب فجعله رأس الأدواء . ووصفه بأنه غاية البلاء . انتهى . وقوله تعالى : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ أي تعلوها وتحيط بها النار التي تمسّ جسدهم المسربل بالقطران . وتخصيص الوجوه لكونها أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه . كالقلب في باطنه ولذلك قال : تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [ الهمزة : 7 ] ، ولكونها مجمع الحواس التي خلقت لإدراك الحق . وقد أعرضوا عنه ، ولم يستعملوها في تدبره . كما أن الفؤاد أشرف الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة ، قد ملؤوها بالجهالات . أفاده الزمخشري وأبو السعود .